سارة ليبمان
ترجمة: د. سارة حامد حواس
أنا والطيور فقط فى الساعة الخامسة صباحًا. هكذا أحب الأمر؛ حين يكون البيت غارقًا فى النوم، وهدير بطيء فى الخارج لشاحنة النظافة. يشقُّ الشارع سكوتر وحيد صارخًا، تحوم أحيانًا مروحيةً فى السماء، وربما يتوقف كاتبٌ من نوعٍ آخر ليسمِّى الطيور المحلية (يمام الحداد، والقيق الأزرق)، وربما يفتح تطبيقًا للتعرُّف إلى الطيور، لكن لا مكان للتكنولوجيا هنا، والبحث قد يبدد هذه الساعة كلها. يكفى وجود طيور، وزقزقات رقيقة، وأنين خافت، ونعيق بعيد لطائرٍ ساحليٍّ يشقُّ طريقه نحو البحر، مفعمًا بالحيوية والأمل، حيث يلوح النهار من الأفق، تتلوَّن فى الشتاء نبرات غنائها بشىءٍ من اليأس، كأنها توسُّلٌ فى العتمة، يصاحبه زفير المدفأة الثقيل، لكن عدا هذه التحولات الموسمية، هذا ما اعتدت سماعه على امتداد الفصول، أصوات صارت مصدر طمأنينة لكاتبةٍ اعتادت الصباح الباكر منذ زمنٍ لا أدرى مداه.
متعبةٌ؟ نعم بالتأكيد، لكننى لا أنام كثيرًا هذه الأيام، على أى حال قد بلغت سنًّا صار فيها الجسد متمرِّدًا، يوقظنى عند الثالثة فجرًا، جلدى يشتعل، والعرق يغمر الملاءات. صار الجسد كائنًا مشاغبًا، لكن هذا ليس مقالًا عن سن اليأس، لكن الإرهاق عنصر أساسى هنا. جفون مثقلة، وكتفان منحدران فوق إبريق الماء؛ مستيقظة أكاد، أتأرجح على الحد الفاصل بين النوم والصحو، وفى تلك المنطقة الهشة بينهما يحدث السحر. من أخادع؟ لا سحر هنا، فالكتابة قد تكون شاقة. لكنها الآن أو لا تكون، فى هذه الفسحة الصغيرة من الوقت أو لا فسحة إطلاقًا. يتبعنى كلبى إلى الأسفل، ومخالبه تطرق الأرض الخشبية، قبل أن يستقر فى موقعه المعتاد قرب النافذة، يراقب العالم وينتظرُ دوره.
أما الآن فالدور لى. فنجان القهوة فى يدى، أتجاوز مكتبى متعمدةً، أبتعد عن كل ما يوحى بالجدية والجلوس المستقيم، وأستقر فى غرفة ابنتى بعدما غادرت إلى الجامعة.
للكتابة فى السرير سحرٍ خاص. أتذكر فى سريرها كيف ولماذا ترسَّخت هذه العادة أول مرة. كان أطفالى الكبار الآن ما يزالون صغارًا، يكادون يمشون، وعقلى الأمومى منهكٌ حد التمزق. كنت أشكو إلى ميج ووليتزر، أستاذتى آنذاك، أسترسل فى التذمر من أننى لا أكتب، ومن هذا وذاك، حتى نظرت إليَّ، مرهقة وعلى وشك البكاء، مستنزفة من قلة النوم ومن وطأة الاحتياج الدائم، من الهوة بين ما نحن عليه وما نطمح أن نكونه، وقالت بهدوئها الرصين ولطفها الذى لا ينفد، فى نصيحة صارت الأفضل فى حياتي: «اسرقيه. إن كانت الكتابة تعنى لك شيئًا، فعليك أن تجدى طريقة لسرقة الوقت. فلن يمنحكِ أحدٌ إياه».
وهكذا بدأتُ سرقة الوقت الكبرى.
خمس دقائق على مقعدٍ فى ساحة اللعب، وفى طابور استلام الأطفال من الحضانة، وخارج قاعة الكاراتيه، وعلى هامش ملعب كرة القدم، وفى عربة مترو مكتظة، والعربة الصغيرة مثبتة بين ركبتَى، فى أى مكانٍ. يعرف الآباء ذلك جيدًا. فحلقة إضافية من «أوكتونوتس» تساوى كل جملةٍ تُكتب.
إلى أن وصلتُ إلى هنا حيثُ الامتداد الجامح لتلك الساعة التى لا يباركها أحد.
لكل إنسان وقته الذى يبلغ فيه ذروة إبداعه. يأتى وقتى مع الطيور، لذا كان أقل ما يمكننى فعله من أجل كتابتى أن أكون حاضرة فيه. فى هذه الساعة أكون أقل قسوةً على نفسى، وأقل ارتباكًا وأقل انشغالًا بأفكار السوق وما ينبغى وما لا ينبغى. الجزء الناقد من عقلى لا يزال مخدَّرًا، ومعه رفيقاه المزعجان: الشك والقلق، وقائمة المهام لم تُكتب بعد. تنظيف الأسنان يمكن أن ينتظر. كل ما عليَّ هو أن أحضر، أن أكون هنا، أسرق الوقت وأتلذذ به، أؤمن بإمكانه، وأبقى منفتحة وفضولية تجاه ما قد يجىء.
ليس فى الأمر اكتشاف مذهل. كُتَّاب كُثرٌ يداومون على الفجر، مثل كاثرين آن بورتر، وارنست هيمنجواى، وفونجت، وهاروكى موراكامى. وعن عادتها الصباحية قالت تونى موريسون: «ليست المسألة أن تكون فى الضوء، بل أن تكون هناك قبل أن يصل». تبدأ جارتى الكاتبة قبل وقتى بمدةٍ طويلة، ووهج مصباح مكتبها يضبطنى كأننى لصَّةٌ وأنا أتعثرُ نحو المطبخ لأعد قهوتى.
الكتابة فى الصباح الباكر ترفع الضغط، وتخفف وطأة الرهانات، وتبقى الأمور صادقة. ثمة شيء فى الفص الجبهى الأمامى، ليونة تُعين على الخلق، والعفوية، بوابة مسامية إلى الاكتشاف. ليس هذا وقت التحرير أو التقييم أو استجواب النص. لا أراجع نفسى ولا أتردد، لكننى ما أزال نصف نائمة، عالقة فى كثافة الأحلام، ومنجرفة فى منطقها الضبابى، وليس معى سوى حدسٍ غامضٍ يقودنى. هكذا أسقط، وأواصل السقوط.
أكتب بالقلم والورق، أى ربما على الطريقة القديمة.
ففى الدفتر أتنحَّى عن طريقى، أتحايل على نفسى عبر لعبةٍ مقصودة؛ وكما يعرف كل من جرَّب صفحات الصباح، فهنا المساحة الخاصة التى تلين فيها اللغة وينطلق الصوت، حميمًا وملحًّا؛ لا مواربة ولا تراجع، وليس هناك خطة بديلة. خطِّى يكاد يُقرأ (ما يجعل نقلَه لاحقًا مهمَّة شاقة)، لكن هذا هو المقصود، فالكتابة باليد تدفعُ النص إلى الأمام. وأنا ممَّن يستطيعون إنهاك جملة واحدة حتى الموت، تأتى حركة الصباح لتقاوم هذا الميل، وتمنحنى حرية لا أجدها أمام الشاشة الباردة لحاسوبى، حيث سأقضى بقية النهار متقمصة قبعة المحرِّر بإحكامٍ.
أكون أكثر تفاؤلًا فى الصباح الباكر. لم أفتح الأخبار بعد، والعالم لم يتداعَ كليًّا بعد. لا أفكر فى قارئٍ، ولا أتساءل عمَّا سيقوله فلان أو علِّان («همم، لماذا كل هذا الجنس يا ليبمان؟»). أكون مجرد حدسٍ وإيقاعٍ، أرتجف على نغمة داخلية، ممتنةً لمعلمتى فى الصف الثالث، السيدة سبراى التى كانت أساورها تصطك بالسبورة وهى تعلِّمنا الخط المتصل بصبرٍ شديد، لأنه الطريقة الوحيدة للحاق بسيل الصور، بالشذرات المتناثرة التى تتراكم مثل برادة الحديد وتتشكل فى هيئةٍ ما، أشبه بلعبة «وولى ويلى» المغناطيسية.
فى طفولتى كنتُ تلك الطفلة التى تستيقظ عند انبلاج الفجر، أقرأ قرب الملعب وبجوارى كيس من حبوب التشيريوز، بينما أبى كان يطارد ضربته الأمامية فى مباراة التنس عند السادسة والنصف صباحًا. فى الجامعة، كان سحر الغرفة المعتمة يدفعنى إلى السهر حتى الصباح، كنت أكتب أبحاثى فى ساعاتٍ لا يباركها أحد، ليس فقط لأننى أؤجل العمل حتى يداهمنى الموعد النهائى، بل لأن فى البقاء مستيقظة لذَّة خاصة بينما زميلاتى غارقات فى النوم، فثمَّة بهجة خفية، ونشوة خفيفة تسرى فى الأعصاب.
قديمًا كنت أسهر حتى الرابعة صباحًا، ولا أستيقظ عندها. وبعد سنوات عندما عدت إلى السهر فى ذلك الوقت، شعرت كأن هذه الساعة نفسها كانت تنتظرنى، فنحن فى النهاية كائنات تعيشُ بالعادات. وكل ما كتبته منذ ذلك الحين صغته قبل الفجر.
وهكذا امتدت الساعة. فجزءٌ كبيرٌ من روايتى الأولى كُتب بين الرابعة والرابعة والنصف صباحًا. ومع كبر أطفالى وتحسُّن نومهم، استطعت أن أؤخرها إلى الخامسة، ساعة أقتنصها قبل إعداد الفطور أو تجهيز حقائب المدرسة. وبعد أن يغادروا البيت، أبدأ فى الخامسة والنصف، وأستمتع بوقتى حتى السادسة.
أما طقوسى فبسيطة إلى أقصى حد؛ قهوة، ودفتر، ومؤخرًا؛ سرير ابنتى، فلا قلم محظوظ، ولا جلسة تأمل. ويصعب أحيانًا عليَّ أن أستوعب أين يذهب الوقت، فلا طفل يبكى فى المهد. والأنين الوحيد يأتى من كلبى، وهو يلاحق ذبابةً مترنِّحة، متحمسًا للخروج منذ الآن.
قالت الكاتبة الروائية الأمريكية جينيفر إيجان (1962) الفائزة بجائزة بوليتزر فى الرواية عام 2011: «لا يمكنك أن تكتب بانتظامٍ إلا إذا قبلت أن تكتب بشكلٍ سيئ. فلا يمكن الجمع بين الانتظام والإتقان معًا. ينبغى أن نتعامل مع الكتابة الرديئة بوصفها تمهيدًا، تمرين إحماء يتيح لنا أن نكتب جيدًا بعد ذلك».
أكتب الكثير من النصوص السيئة حد الفظاعة فى الصباح الباكر، لكن كل من حاصره فى حفلةٍ ذلك الشخص الذى لديه «فكرة مذهلة لرواية» يعرف الحقيقة ،لا شىء لديك ما لم يُكتب فعلًا. ما إن يظهر على الصفحة حتى تبدأ مواجهة الهُوَّة الكبيرة بين إحساس القصة فى الرأس وحياتها على الورق، وحينها تبدأ المراجعة.
أحيانًا أستضيف جلسة عبر زووم، أدعو فيها آخرين ليكتبوا بصمتٍ إلى جانبى. الكاميرات مغلقة، لا دردشة، ولا حاجة حتى لارتداء السراويل. إذا كان الالتزام أمام أنفسنا صعبًا، فربما يقلُّ احتمال ضغط زر الغفوة حين نلتزم أيضًا أمام بعضنا. الكتابة فعلٌ فرديٌّ، نعم، لكن ثمة طاقة محسوسة فى أن تكون وحدك، ولست وحدك فى الوقت نفسه. هكذا نشدُّ أزر بعضنا بعضًا.
تأملوا قصيدة الشاعرة الأمريكية لويز إردريتش الشهيرة «نصيحة إلى نفسى». أنا إنسانة أفضل، كمحرِّرةٍ، ومعلِّمة، وأم، وشريكة، وابنة…، لأننى أهب هذه الساعة للكتابة، فلم تعد ثقلًا يخيِّم عليَّ، والآن، إلى الحياة. وحين تمضى القصة على ما يرام، وبخاصة حين لا تمضى كذلك، تبقى ألغاز الصفحة معى، أواصل تقليب العبارات وخيارات الشخصيات طوال اليوم، متشوِّقة للعودة إليها مع الصباح.
أيًّا كانت ساعتك، اعثر عليها وتمسَّك بها، فربما تكون استراحة الغداء على مكتبك، ربما العاشرة مساءً، أو الواحدة بعد منتصف الليل. أيًّا كان الوقت، أكرم اللحظة التى تكون فيها أكثر استعدادًا للتلقى والفضول، واحمها بكل ما لديك. وكما قال الروائى الأمريكى إى. بى. وايت: «الكاتب الذى ينتظر الظروف المثالية ليعمل سيموت قبل أن يخط كلمة على الورق». لا تنتظر، اسرقها، وواصل سرقتها.

بيير لوميتر: سنكون أفضل عندما نقرأ بروست
«المصريون».. ومعضلة التاريخ المزيف!
فى حوار طويل بعد فوزه بنوبل







